جاء في تعريف الثائر الحق انّه "يثور ليهدم الفساد ثمّ يهدئ ليَبنيَ الأمجاد". فبعد ثورة تونس و مصر تحديدا تعددت الآراء و التصورات بين مختلف الشرائح و الأحزاب السياسية حول تصور لبلد حديث قادر على التنمية و ايجاد حلول لمختلف الصعوبات و المشاكل المطروحة و النهوض الى طور البلدان النامية .
أردت الاستفادة من التجربة الماليزية المعاصرة و التي أظن أنها تشترك في بعض الجوانب الرئيسية مع الظرف المصري أو التونسي في هذه الفترة بالذات و نستلهم منها بعض الدروس العمليّة في صياغة بلد متطور في أقل وقت ممكن و على أسس بناءة تصلح ما أفسدته الانظمة السابقة.
فمن هو صاحب هذه التجربة الناجحة ؟
صاحب هذه التجربة هو مهاتير محمد الذي لم يكن فقط سياسيا محنّكا يتولى رئاسة الوزراء بل كان أيضا مفكرا له كتبه ومؤلفاته، وصاحب رؤية لمَا ينبغي ان تكون عليه بلاده.
عرف بأنه يتمتع بقوة شخصية و نظرة سياسية ثاقبة. لم يعرف عنه استغلال نفوذه في تنامي ثروته الشخصية أو ثروات أقاربه أو أفراد عائلته.
اختلف على القادة العرب بأنه طور رؤية سياسية استراتيجية لما يمكن ان تكون عليه ماليزيا في فترة حكمه ووضع اسس و قواعد لضمان الوصول الى هدفه و النهوض ببلده.
تولى رئاسة وزراء بلاده من عام 1981 لمدة 22 عاما، واتيحت له الفرصة كاملة ليحول افكاره الى واقع، بحيث اصبحت ماليزيا احد انجح الاقتصاديات في جنوب آسيا والعالم الاسلامي.
فقد تحولت ماليزيا من دولة زراعية تعتمد على انتاج وتصدير المواد الاولية، خاصة القصدير والمطاط، الى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من اجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التطور ان انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% من اجمالي السكان في عام 1970، اي اكثر من نصفهم، الى 5% فقط في عام 2002
وارتفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في عام 1970 الى 8862 دولارا في عام 2002، اي ان دخل المواطن زاد لأكثر من سبعة امثال ما كان عليه منذ ثلاثين عاما، وانخفضت نسبة البطالة الى 3%.
هذا النجاح الذي جعل ماليزيا بلد صناعيا متقدما نرصد اسراره في هذه النقاط الاربعة :
أولاً: وجود رؤية للمستقبل:
بالطبع لم يتحقق هذا من فراغ، فوجود رغبة و ارادة سياسية واضحة تحكم القيادة و الشعب من مميزات هذه التجربة. فمن يذهب إلي ماليزيا سيتردد أمام بصره وسمعه كثيرا رقم 2020 وهو يرمز إلي الخطة التي أعدها مهاتير محمد رئيس الوزراء عندما تولى الحكم سنة 1981 والتي تقوم علي فكرة أن تصبح ماليزيا في العام 2020 دولة مكتملة البنيان الصناعي .. وهو ما تحقق معظمه .. ويمكن تلخيص هذه الإرادة في جملة قالها مهاتير : " أيها الماليزي ارفع رأسك ناظرا للمستقبل ".
ثانيا: سياسة النظر شرقًا :
ادركت حكومة ماليزيا تماما اهمية اعتناق قيم ايجابية لتحقيق التقدم المنشود، ولهذا اعتنق منذ 22 عاما سياسة النظر الى الشرق، والمقصود بها اعتناق قيم العمل السائدة في اليابان وكوريا التي تقوم اساسا على الانضباط الشديد والاخلاص التام لجهة العمل، والحرص على اختيار المديرين ليكونوا قدوة لموظفيهم.
ثالثا : التوازن بين الاعراق :
من الامور اللافتة للنظر في تجربة ماليزيا قدرة المجتمع الماليزي على تجنب الصراعات والخلافات بين المجموعات العرقية الثلاثة المكونة للسكان البالغ عددهم 24 مليون نسمة، وهي المالايو الذين يمثلون 58% من السكان، والصينيون الذين تبلغ نسبتهم 24%، والهنود البالغ نسبتهم 7% .
فاثر الصدامات العرقية التي وقعت عام 1969، ادرك الماليزيون ان استمرارها يعني ان يخسر الجميع، ومن ثم استطاع قادة المجموعات العرقية ايقاف هذه الصدامات بحيث لم تتكرر بعدها الى اليوم.
رابعا: رؤية نموذجية للتنمية:
ارتكزت الاصلاح التنموي في هذه المرحلة ليس فقط على تشجيع الاستثمار و هيكلة الاقتصاد بل ايضا في مرحلة أولى على الجانب الاجتماعي بتحقيق عدالة التوزيع و بث جملة من القيم و المبادئ التي شملت ايضا الحريات و الجانب السياسي و التي من دورها ان تأسس لتنمية متوازنة وعادلة ثم جاء العمل في مرحلة ثانية بالاهتمام بالقطاع الخاص وانتهاج سياسة الخوصصة و السوق الحرة وايقاف الاستدانة وتحدد نسبة تدخل الاستثمار الاجنبي في السوق المحلية تشجيعا للصناعة المحلية حتى اصبحت 80% من السيارات التي تسير في الشوارع ماليزيا محلية الصنع.
فلنبدأ .. .
أعتقد أنه يجب علينا الاستفادة من التجربة الماليزية في صياغة تصوراتنا لبلدنا في المستقبل، بل يجب علينا الاستفادة من كل تجربة ناجحة في هذا المجال و خاصة البحث على النقاط المشتركة و أخذها بعين الاعتبار و الذهاب نحو التنفيذ و العمل. فانّ توفر الارادة السياسية للنهوض بماليزيا تعتبر من اهم مقومات نجاح هذه التجربة. ووضوخ الرؤية و تحديد الاهداف دفع الحكومة و الشعب الى العمل سويّا لتحقيق النجاح.
إني أظن أن شعبًا ثارَ لإزالة الظلم و الفساد الموجود قادر على ان يساهم في صياغة مستقبله اذا توفرت له قيادة تأخذ على عاتقها برنامجا اصلاحي وتنمويا واضح المعالم و الاهداف.
بل ان مقومات نجاح تجربة التونسية متوفرة اذا ما قارنا الحالة الاقتصادية و الاجتماعية في تونس اليوم بحالة ماليزيا عند بداية تجربتها.
آمل ان تقام مؤتمرات ورشات عمل تطرح تصورات للنهوض ببلدنا ويشارك فيها اخصائيو تنمية ويندمج فيها شباب الثورة و تأخذ بعين الاعتبار تجارب غربية و شرقية ناجحة حتي نستطيع ان نأسس لبلد يتسع لأحلام شباب ثاروا على الظلم و الفقر و تاقوا الى الحرية و الكرامة.