الأربعاء، 17 أغسطس 2011

السائح وشباب الثورة


موقف ما كان ليستوقفني لولا أنه تكرر أمامي  لمرتين متتاليتين و أوقد  حينها غيظي 
في الحقيقة كنت في صحبة صديق لي للقيام بالتسوق في المدينة العتيقة  التي عادة ما  تجلب السياح الأجانب و المحليين 
هناك تجد  ما تبحث عنه من هدايا و صناعات محلية  ،لا أقول تقليدية لأن الكلمة في مضمونها تهمش البعد الابداعي و الفني في هذه  التحف و المسوغات،
هناك أيضا، تُلامس ذاتك تناسق المباني العتيقة و ضيق الأزقة و زخرفها و أبتسامة  التجار و تواضعهم ...
تجارٌ تخاطبهم بالتونسية يخاطبونكم بالتونسية، تخاطبهم بالفرنسية يخاطبونكم بالفرنسية، خاطبهم بما شئت، بالانقليزية بالايطالية بالالمانية     
فهم أتقنوا اللغات من غير ما درسوها، و إكتسبوا المهارات و طوروها. غايتهم الكسب الوفير و الرزق الكثير...
فهم سفراء هذا الوطن و إن لم يغادروه، كيف لا وهم  الواجهة التي يقصدها السائح لأقتناء الهدايا و الذكريات التي تذكره يوما   بزيارته و تغذي  شوقه  للعودة أو تدفعه لاكتشاف  قيمنا و حضارتنا ...
في هذا الظرف بالذات،الثورة و المرحلة الانتقالية،  أغلب السوّاح"تخاطر بحياتها" نوعا ما ،نظراللوضع الامني القائم، ليعاين  المجتمع التونسي عن قرب، ليلتقط  الصور أمام مبنى الداخلية، ليزور شارع محمد البوعزيزي، ليقف بساحة القصبة و ليستلخص الدروس من شباب تونس... نعم شباب تونس الذي ضحى من أجل الحرية و العدالة  ... من أجل رفع الظلم و من أجل الكرامة ...
لكن ... 
ما استوقفني ظاهرة لاحظتها في سلوك  بعض التجار من الشباب، و تككرت أمامي، "قضية التحرش بالسائحات الاجانب" .
والعجيب التفنن و التنافس بين الشباب في ذلك حتى تجد البعض يفتخر و تملء ضحكاته الفضاء ليشعرك بالاشمئزاز امام بساطة التفكير و بلادة السلوك ...
وأتساءل حينها : أيمكن أن نعتبر هذا الصنف  من شباب الثورة ؟ و ماهي الصورة التي رسمها لدى السائح عن شباب الثورة ؟
ولمن أساء  بسلوكه هذا ؟ أأساء لنفسه! لقيمه! لدينه!  لوطنه!  لرجولته!  لمروءته!  للمرأة التونسية  التي  أحتفلت بعيده منذ أيام ؟
وهل يمكن اعتباره ممن  يريد الركوب على الثورة؟ نعم فكل من موقعه: ذاك يستغل الوضع الامني ليتحرش بسائحة و الاخر يستغل الوضع القانوي ليتحرش بعقول الشعب و يأسس لمصالحه الضيقة !





السبت، 6 أغسطس 2011

أخلاقهم ديننا




"أخلاقهم ديننا" هي عبارة قالها الشيخ  محمد عبده  بعد عودته من سفره من الغرب.

هذا الجانب الذي أراه مهمشا عند أغلب من يحيطون بي أو  من أحتك بهم في معاملاتي اليومية  أوما تشاهده عيني في الساحات و في الطرقات العامة  و في الأسواق و في الحافلات و القطارات و عند سياقة السيارة و في مراكز البريد و الخدمات وفي المساجد  وفي كل مكان توجد فيه معاملات و احتكاك بين  الأشخاص.
ما ألاحظه من إقبال الناس على العبادات في رمضان، من صلاة و قيام و صيام و ذكر و خشوع،  جعلني أتسأل -وما هو إلا تساءل- أين  تأثير ذلك في معاملات بعضنا البعض؟!

لماذا هذا الإقبال على العبادات لا يزيد في إقبالنا  على حسن  المعاملات و الاخلاق؟ لماذا أدائنا للجانب الشعائري لديننا لا يهذب سلوكنا اليومي و  يحبب الناس في أخلاقنا ؟ لماذا شخص استطاع أن يصبر ساعات و ساعات عن الاكل و الشرب لا يستطيع أن يصبر ثوان في إشارة مرور و ينقذ نفسه و غيره من حادث مريع؟ لماذا  شخص تفترت أقدامه قائما في صلاة التراويح لا ينتظر ولو لمهلة  دوره  عند شباك التذاكر أو حين استخلاص فواتير الماء و الكهرباء؟ لماذا هذا السائق لسيارة الاجرة يفضل الوقوف لسائح عن الوقوف لمسن أو مريض ؟ ولماذا ذلك يغلق الطريق بسيارته وهو نازل ليصلي الجماعة؟

و لماذا هذا  المصلي الذي تجمّل بأحسن الثياب لأداء صلاة الجمعة تجده يلقي منديله الورقي في الطريق و هو خارج من المسجد؟

لماذا و لماذا ولماذا .... اقبال على العبادات و عزوف على الاخلاق و المعاملات الراقيّة.

ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلّم "انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق"؟
ألم يقل "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار" ؟

ألم يقل تبسمك في وجه أخيك صدقة ؟ لماذا إذا.. يجد البعض عناء في رسم البسمة على و جهه العبوس؟

أإذا فسحت المجال في طريقك أو تركت الأولوية لمترجل لا تدخل بذلك  السعادة على قلب غيرك؟

أما آن الأوان لإعادة هذا الرابط بين البعد الشعائري و البعد الأخلاقي العملي  لديننا ؟

أما آن الأوان للتأمل  في أسباب تدهورنا و إنحطاطنا؟


 صدقت يا  شوقي حين قلت "انما الامم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا " .




الخميس، 4 أغسطس 2011

التجربة الماليزية



جاء في تعريف الثائر الحق انّه "يثور ليهدم الفساد ثمّ يهدئ   ليَبنيَ الأمجاد". فبعد ثورة تونس و مصر تحديدا تعددت  الآراء و التصورات بين مختلف الشرائح و الأحزاب السياسية حول تصور لبلد حديث قادر على التنمية و ايجاد حلول لمختلف الصعوبات و المشاكل المطروحة و النهوض الى طور البلدان النامية .

أردت الاستفادة من التجربة الماليزية  المعاصرة و التي أظن أنها تشترك في بعض الجوانب الرئيسية مع الظرف المصري أو التونسي في هذه الفترة بالذات و نستلهم منها بعض  الدروس العمليّة  في صياغة بلد متطور في أقل وقت ممكن و على أسس بناءة  تصلح ما أفسدته الانظمة السابقة.


فمن هو صاحب هذه التجربة الناجحة ؟
صاحب هذه التجربة هو مهاتير محمد الذي لم يكن فقط سياسيا محنّكا يتولى رئاسة الوزراء بل كان أيضا مفكرا  له كتبه ومؤلفاته، وصاحب رؤية لمَا ينبغي ان تكون عليه بلاده.
عرف بأنه يتمتع بقوة شخصية و نظرة سياسية ثاقبة. لم يعرف عنه استغلال نفوذه في تنامي ثروته الشخصية أو ثروات أقاربه أو أفراد عائلته.
اختلف على القادة العرب بأنه طور رؤية سياسية استراتيجية لما يمكن ان تكون عليه ماليزيا في فترة حكمه ووضع اسس و قواعد لضمان الوصول الى هدفه و النهوض ببلده.
تولى رئاسة وزراء بلاده من عام 1981 لمدة 22 عاما، واتيحت له الفرصة كاملة ليحول افكاره الى واقع، بحيث اصبحت ماليزيا احد انجح الاقتصاديات في جنوب آسيا والعالم الاسلامي.
فقد تحولت ماليزيا من دولة زراعية تعتمد على انتاج وتصدير المواد الاولية، خاصة القصدير والمطاط، الى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من اجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التطور ان انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% من اجمالي السكان في عام 1970، اي اكثر من نصفهم، الى 5% فقط في عام  2002

 وارتفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في عام 1970 الى 8862 دولارا في عام 2002، اي ان دخل المواطن زاد لأكثر من سبعة امثال ما كان عليه منذ ثلاثين عاما، وانخفضت نسبة البطالة الى 3%.


هذا النجاح الذي جعل ماليزيا بلد صناعيا متقدما نرصد اسراره في هذه النقاط الاربعة :

أولاً: وجود رؤية للمستقبل:
بالطبع لم يتحقق هذا من فراغ، فوجود رغبة و ارادة سياسية واضحة تحكم القيادة و الشعب من مميزات هذه التجربة. فمن يذهب إلي ماليزيا سيتردد أمام بصره وسمعه كثيرا رقم 2020 وهو يرمز إلي الخطة التي أعدها مهاتير محمد رئيس الوزراء عندما تولى الحكم سنة 1981 والتي تقوم علي فكرة أن تصبح ماليزيا في العام 2020 دولة مكتملة البنيان الصناعي ..  وهو ما تحقق معظمه .. ويمكن تلخيص هذه الإرادة في جملة قالها مهاتير : " أيها الماليزي ارفع رأسك ناظرا للمستقبل ".


ثانيا:  سياسة النظر شرقًا  :
ادركت حكومة ماليزيا تماما اهمية اعتناق قيم ايجابية لتحقيق التقدم المنشود، ولهذا اعتنق منذ 22 عاما سياسة النظر الى الشرق، والمقصود بها اعتناق قيم العمل السائدة في اليابان وكوريا التي تقوم اساسا على الانضباط الشديد والاخلاص التام لجهة العمل، والحرص على اختيار المديرين ليكونوا قدوة لموظفيهم.

ثالثا : التوازن بين الاعراق :
من الامور اللافتة للنظر في تجربة ماليزيا قدرة المجتمع الماليزي على تجنب الصراعات والخلافات بين المجموعات العرقية الثلاثة المكونة للسكان البالغ عددهم 24 مليون نسمة، وهي المالايو الذين يمثلون 58% من السكان، والصينيون الذين تبلغ نسبتهم 24%، والهنود البالغ نسبتهم 7% .
فاثر الصدامات العرقية التي وقعت عام 1969، ادرك الماليزيون ان استمرارها يعني ان يخسر الجميع، ومن ثم استطاع قادة المجموعات العرقية ايقاف هذه الصدامات بحيث لم تتكرر بعدها الى اليوم.

رابعا: رؤية نموذجية للتنمية:
ارتكزت الاصلاح التنموي في هذه المرحلة ليس فقط على تشجيع الاستثمار و هيكلة الاقتصاد بل ايضا في مرحلة أولى على الجانب الاجتماعي بتحقيق عدالة التوزيع و بث جملة من القيم و المبادئ التي شملت ايضا الحريات و الجانب السياسي و التي من دورها ان تأسس لتنمية متوازنة وعادلة ثم جاء العمل في مرحلة ثانية بالاهتمام بالقطاع الخاص  وانتهاج سياسة الخوصصة و السوق الحرة          وايقاف الاستدانة وتحدد نسبة تدخل الاستثمار الاجنبي في السوق المحلية تشجيعا للصناعة المحلية حتى اصبحت  80% من السيارات التي تسير في الشوارع ماليزيا محلية الصنع.


فلنبدأ .. .
أعتقد أنه يجب علينا الاستفادة من التجربة الماليزية في صياغة تصوراتنا لبلدنا في المستقبل، بل يجب علينا الاستفادة من كل تجربة ناجحة في هذا المجال و خاصة البحث على النقاط المشتركة و أخذها بعين الاعتبار و الذهاب نحو التنفيذ و العمل. فانّ توفر الارادة السياسية  للنهوض بماليزيا تعتبر من اهم مقومات نجاح هذه التجربة. ووضوخ الرؤية و تحديد الاهداف دفع الحكومة و الشعب الى العمل سويّا لتحقيق النجاح.
إني أظن أن شعبًا ثارَ لإزالة الظلم و الفساد الموجود  قادر على ان يساهم في صياغة مستقبله اذا توفرت له قيادة تأخذ على عاتقها برنامجا اصلاحي وتنمويا واضح المعالم و الاهداف.
بل ان مقومات نجاح تجربة التونسية  متوفرة اذا ما قارنا الحالة الاقتصادية و الاجتماعية في تونس اليوم  بحالة ماليزيا عند بداية  تجربتها.
آمل ان تقام  مؤتمرات ورشات عمل تطرح تصورات للنهوض ببلدنا ويشارك فيها اخصائيو تنمية ويندمج فيها شباب الثورة  و تأخذ بعين الاعتبار تجارب غربية و شرقية ناجحة حتي نستطيع ان نأسس لبلد يتسع لأحلام شباب ثاروا على الظلم و الفقر و تاقوا الى الحرية و الكرامة.


نشر لأول مرة في مجلة  كلمتي حرّة Plum libre