الخميس، 23 يونيو 2011

جداتنا



بجداتنا سر عجيب كأنه حجاب الهي وحرز محرز
يحيرني اطمئنانهن كأنما لديهن حل اللغز والدهر يلغز
ترى امرأة في كفها وجبينهما من الشعر والتاريخ نص مرمز
تتالى عليها الحاكمون كأنهم هم الخرز المنظوم والعمر مخرز
ويشرح ميزان القوى كل حاكم لها منذ آلاف السنين فيعجز
تهد اعتبارات السياسة كلها إذا ذهبت تحت القنابل تخبز
وقد وضعت حكامها في مناخل وقامت تنقي ما تشاء وتفرز
وفي قولها عند الخصام فصاحة أدق من العقد الفريد وأوجز
لها دولة في باحة البيت, شعبها دخان وجيران وبنّ مركز
تجمّع أشتات الضيوف لأنها ترى الناس كنزا من كرام فتكنز
وتبصرها في زحمة الجسر وحدها على اللّطف من رب السما تتعكز
وجندية من روسيا ورفاقها إذا ما رأوها أوجسوا وتحرّزوا
يظنون تحت الثوب منها عساكرا بأفتك أنواع السلاح ستبرز
فسلّم على جيش الدفاع فإنه يهدده شال وثوب مطرّز

بشال وثوب تمر على الجسر
مبروكة الصدر والخصر
لا بدّ يؤلمها حين تحشر في الشعر
مقعدها في القصيدة مثل مقاعد حافلة الجسر غير مريح
فمعنى الأمومة والأرض والوطنية أصغر منها
وإغداق شاعرها بالرموز عليها وذكر الأساطير أمر قبيح
أنا لن أشبه وجهك بالنحت في الصخر
أو جود كفيّك بالحقل والنهر
أو بنساء آشور وبابل أو ظبية البرّ
لا في الطبيعة أنت ولا في الخيال
تعاريج كفّك مخطوطة كتبت كالوصيّة
فهي وثيقة ملكيّة للبلاد وتاريخ أنسابنا العربيّة
أنت براءة هذه الجبال الخصيبة من تهمة الحجريّة
يا جدّة التين والبرتقال
كأنكن أنت اخترعت الجبال
أقول اخترعت الجبال اختراعا ولم تتشكل بمر العصور
ولكن دعوت فجاءت تباعا كأن الجبال كلام يدور
كلام نطقت به أولا
ثم صار صداه جبالا
صدى من صدى تتكرر أقواسها في المدى
ليس تعيي البلاد بإنشادها
وكأن الجبال اليك ومنك أحاديث تروى بإسنادها

ويا جدّة التين والزعترين المجفف والأخضر الجبليّ
ويا جدّة الحرب والهجرتين سلام على طبّك المنزليّ
إذا أنت دلّكت بالزيت صدر الزمان كمان تفعلين مع الطفل حين يحمّ
سلام عليك تغنين صوت العتابا فتستأنسين الألم
وتصحّ الليالي بإنشادها
ودوما تصرّين أنك لا تكملين القصص
فإن النهاية عندك معدومة والعدم
وأنت نقلت الحديقة حين ارتحلت إلى شرفة في المخيم
شتلة صبر وريحانة
فالعشيرة لاجئة في الخيم
والحديقة لاجئة في الأصص
ثم بالملجئين بنيت بيوتا يؤهل فيها بقصّادها
وفيك ركانة قاضية وفصاحة دارسة للحقوق
وفي اللهجة القروية أعشق تصغيرك الوقت حين تسمينه بالوقيت
كأن الزمان صغير تربّينه
واذا ما تهدده عارض ما ستحمينه
وهو غول ولكن طبعك لا يرتضي أن في الأرض شيئا يسمّى العقوق
ويا جدتي أنت طيبة غير أنك لست ملاكا
وفيك من الخبث شيء مليح
كذبت على الحاكم العسكريّ
وزوّرت في سن طفلك كي يدخلوه صغيرا الى صفّه المدرسيّ
وتعطين بعض القريبات من عنب الدار ما يشتهين
ويعلمن أنك لست تحبينهن كما تعلمين
وقد يبتسمن فتبتسمين
وعندك خبث الطيور تحاول أن تتفادى الجبال
ولكنّ خبثك خبث بريء على أيّ حال
جمعت الصفات بأضدادها
تمرّ على الجسر
تحمل ما لا يطاق من الأمر
همّ البلاد؟ نعم
وكذلك زيتا لأحفادها
وصنوفا من الجبن والمريميّة
أو قل صنوفا من الحكمة الأبديّة
مخبوزة في الطوابين
مفروشة كالبساتين
مقطوفة من على شجر التين
أو كتب الشعر والنثر والدين
رأسا إلى قاع زوّادها
وما كنت أدري لماذا تصمم دوما على حمل كل صنوف الثمار التي خلق الله في زحمة الجسر
حتّى رأيت مجنّدة عندها تسعتان من العمر
وهي تفتّشها
وتفتّح كل حقائبها
ثم تفرشها
لأرى بلدا كاملا فوق منضدة الفحص ينشر مثل العلم
فقل للعساكر في الجسر يا أمة من غبار الأمم
ويا من تهينون أهل الكرامة للعنصرية أو للسأم
إلى أن تكون لكم جدّة مثلنا
إلى أن يدور الزمان وأن تحملوا حملنا
إلى أن تروا أن قتل سوانا لكم لا يحلّ لكم قتلنا
إلى أن يكون لكم مثل هذا
تنحّوا
وخلّوا الطريق لجداتنا أن تمرّ
لتجعلكم قصّة
مثل كل من أحتلّنا
هكذا ببراءة حجيّة
لا بقصدٍ ولا نيّتة
وبعفويّة
وهي تصنع شايا لنا


تميم البرغوثي 

السبت، 11 يونيو 2011

تأمل فتخيل فاعجاز ... فبيان فمتعة فسرور

أكتب على شيء من الجمال في زمن تغيرت فيه  مفاهيم الجمال ..
مازلت في رحلة البحث و لكن ...استوقفتني نفسي عند  بعض المحطات  ...  
نسق سريع في الحياة .. هي بأسلوبها الأنيّ تبرمج  الانسان ليكون ألة مضبوطة الحركات و الانفعالات
تسرق منك لذّة  الوجود .. و تختزلك  في جسدٍ منهك .. قابل للتعديل في كل آن و حين ..
 تأخذك عن دنيا  البيان .. فيها يسمو كل انسان .. ليكون أعلى و أرقى من أن يكون حيوان ..
 فيها تقلع بسفينة  الخيال لترحل، ولو حينا ، الى اعماق الكون حيث التأمل  في لمسات البيان  من  معجزات القران..

نص تتعدد فيه اوجه الاعجاز لتحتوي وتستلهم كل الاذواق ..
اعجاز بياني، علمي، لغوي، بلاغي، عددي، اجتماعي .. وغيرها من المجالات ..

استوقفني هذه المرة" كتاب التصوير الفني في القران" فيه يحاول الكاتب بطريقة شيقة وممتعة عرض نماذج مما يوجد في القرآن من صور وما تحتويه من  جمال فني تعجز عن تصويره الريشة الملونة.
العجيب في هذا الطرح انه يدفعك لتتفاعل مع النص القرآني بتصور القصة ومشاهدتها في ذاتك ، ومعلوم أن وقع الصور على الذات البشرية أسرع و أعمق من حيث التفاعل والتجاذب فما تأبى أن تجد نفسك مسحورا بروعة المشهد وجماله ... 
وبقدر فهمك للمفردات والمعاني بقدر ما تستشعرجمال المشهد واعجازه.
وكلما ازدات الصورة وضوحا في ذهنك، كلما صار سهلا على ذاكرتك استرجاع المفردات التي ساعدتك في رسمها، مما يجعل حفظ القرآن أمتع  وأسهل.

ثّم ان التفاعل يرقى بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحركة المتجددة فاذا المعنى الذهني حركة أو هيئة، واذا الطبيعة مجسمة مرئية . فترى فيها الحياة، واذا ما أضفت لها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل.

أنقل لكم بعض المشاهد وأترك لكم متعة التخيل والبيان.

  • يريد أن يبين أن الانسان لا يعرف ربه الا في ساعة الضيق، حتي اذا جاءه الفرج نسي الله الذي فرّج عليه.و لكنه لا يقولها في مثل هذا النسق الذهني،انما يرسم صورة حافلة بالحركة المتجددة، و المشاهد المتتابعة   ﴿  هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ، وَفَرِحُوا بِهَا ، جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ، وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  ، لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ  وهكذا تحيا الصورة و تتحرك، وتموج و تضطرب و ترتفع الانفاس مع تماوج السفينة وتنخفض، ثمّ تؤدي في النهاية ذلك المعنى المراد، أبلغ أداء وأوفاه.

  • ويريد أن يبين أن الله سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبل شيئا، وستضيع الى غير عودة فلا يملكون لها ردا، فيقدم هذا المعنى مصّورا في قوله : ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا   ويدعك تتخّيل صورة الهباء المنثور، فتعطيك معنى أوضح للضياع الحاسم المؤكد.

  • أو يرسم هذه الصورة المطّولة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه :﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ،  أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ، ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ فتزيد الصورة حركة و حياة، بحركة الريح في يوم عاصف، تذرو الرماد وتذهب به بددًا،  الى حيث لا يجتمع أبدا.